يكتب أحمد عسمر أن الدور الإسرائيلي في الدول العربية لم يقتصر تاريخيًا على المواجهة العسكرية المباشرة في فلسطين ولبنان وسوريا، بل اتخذ مسارًا أكثر هدوءًا وخطورة عبر تشجيع التفتيت، وإضعاف الدول المركزية، وبناء علاقات مع قوى انفصالية داخل دول تعاني الحروب والانهيار المؤسسي.
ويشير إلى أن هذا النمط بات واضحًا اليوم في اليمن والصومال وليبيا، حيث تخدم التحركات الإسرائيلية عقيدة استراتيجية أوسع تهدف إلى تقسيم الدول العربية، والتحكم في الممرات المائية الحساسة، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية لصالح التفوق الإسرائيلي.
نشر هذا المقال موقع ميدل إيست آي في سياق تحليلي يربط بين النزاعات الداخلية في المنطقة العربية والتحركات الإسرائيلية غير المعلنة.
اليمن: الانفصال بوابة للتطبيع
تظهر ملامح الدور الإسرائيلي في اليمن عبر التقاطع مع ما يُعرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان انفصالي يسعى لإعادة إنشاء دولة مستقلة في جنوب البلاد. ورغم تقديم الصراع اليمني عادة بوصفه حربًا بالوكالة بين قوى إقليمية، يكشف المقال أن رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، عبّر علنًا في أكثر من مناسبة عن استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل حال تحقق انفصال الجنوب، وهو تصريح أثار استنكارًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والشعبية اليمنية.
ولا يقرأ الكاتب هذه التصريحات بوصفها مجرد خطاب سياسي، بل يربطها بالأهمية الجيوسياسية لجنوب اليمن، الذي يطل على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم قرب مضيق باب المندب. ويخدم أي نفوذ لقوى موالية لإسرائيل في هذه المنطقة هدفًا إسرائيليًا قديمًا يتمثل في تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومواجهة الخصوم الإقليميين. ويمنح تشجيع النزعات الانفصالية إسرائيل موطئ قدم استراتيجيًا من دون نشر قوات عسكرية، ما يحوّل التفكك الداخلي اليمني إلى أداة جيوسياسية تهدد الأمن القومي العربي، خصوصًا لدول البحر الأحمر مثل مصر والسعودية.
الصومال: صوماليلاند وتسليح الاعتراف السياسي
تبدو الحالة الصومالية، بحسب المقال، أكثر وضوحًا في استغلال إسرائيل للنزعات الانفصالية. إذ تسعى “جمهورية صوماليلاند” المعلنة من طرف واحد، والتي تفتقر لأي اعتراف دولي، إلى كسب دعم خارجي يشرعن انفصالها. ويمثل تواصل إسرائيل واعترافها بالسلطات الفعلية في الإقليم سابقة خطيرة تخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ويكشف الكاتب أن الدافع الاستراتيجي لا يخفي نفسه هنا، فالساحل الصومالي، مثل جنوب اليمن، يطل على باب المندب وخليج عدن، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ويحذر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من أن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند يخفي مخططًا أوسع، يشمل توطين فلسطينيين من غزة، بعد ما تعرضوا له من إبادة، إضافة إلى إنشاء قاعدة عسكرية أو استخباراتية إسرائيلية في الإقليم. ويضيف أن هذه الخطوات تهدد وحدة الأراضي الصومالية، وتفتح الباب أمام موجة جديدة من التفكك في القرن الإفريقي.
ويرى المقال أن اعتراف إسرائيل بكيان انفصالي يعكس آلية عمل ثابتة تقوم على استغلال الدول الضعيفة والمنقسمة لتمرير مشاريع الهيمنة والتوسع، على حساب استقرار المنطقة وشعوبها.
ليبيا: التطبيع من الباب الخلفي
في ليبيا، يتخذ الدور الإسرائيلي طابعًا أكثر سرية، لكنه يظل حاضرًا. ويشير المقال إلى تقارير تفيد بأن اللواء المتقاعد خليفة حفتر، المسيطر على شرق ليبيا، أجرى اتصالات مع مسؤولين إسرائيليين في إطار سعيه للحصول على شرعية ودعم دولي. وتندرج هذه الاتصالات ضمن نمط أوسع من التطبيع غير المعلن بين إسرائيل وقوى سلطوية أو فصائل محلية تبحث عن دعم خارجي مقابل تنازلات سياسية.
ويؤكد الكاتب أن حالة التفكك الليبي وفرت بيئة خصبة للتدخلات الأجنبية، وأن انخراط إسرائيل مع حفتر لا يستهدف السلام أو الاستقرار، بل يسعى إلى توسيع النفوذ وبناء أوراق ضغط في محيط الدول العربية.
ويخلص المقال إلى أن اليمن والصومال وليبيا تكشف عن استراتيجية إسرائيلية متسقة تقوم على استغلال الصراعات الداخلية لإعادة رسم المنطقة في صورة كيانات صغيرة وضعيفة، أقل قدرة على المقاومة وأكثر قابلية للتطبيع القسري. ويشدد على أن هذا التوجه لا يدعم حق تقرير المصير، بل يعمّق التفتيت ويضيف بعدًا جديدًا للتوسع الإسرائيلي، ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، ويستدعي وعيًا جماعيًا لمواجهة “سياسة التفكيك” قبل أن تتحول إلى واقع دائم.
https://www.middleeastmonitor.com/20260103-israel-and-the-politics-of-fragmentation-the-hidden-hand-behind-secessionist-projects-in-yemen-somalia-and-libya/

